أبي منصور الماتريدي

429

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يعذر في الأكل في الصلاة « 1 » ، وفي الجماع في الحج « 2 » ، ونحو ذلك ، فمثله الأمر الذي نحن فيه .

--> ( 1 ) اتفق الفقهاء على بطلان الصلاة بالأكل والشرب من حيث الجملة ، قال الحنفية : ولو سمسمة ناسيا . واستثنوا من ذلك ما كان بين أسنانه وكان دون الحمصة فإنه لا تفسد به الصلاة إذا ابتلعه ، وصرحوا بفساد الصلاة بالمضغ إن كثر ، وتقديره بالثلاث المتواليات . وكذا تفسد بالسكّر إذا كان في فيه يبتلع ذوبه . قال ابن عابدين : إن المفسد : إما المضغ ، أو وصول عين المأكول إلى الجوف بخلاف الطعم . قال في ( البحر ) عن ( الخلاصة ) : ولو أكل شيئا من الحلاوة وابتلع عينها ، فدخل في الصلاة ، فوجد حلاوتها في فيه وابتلعها لا تفسد صلاته ، ولو أدخل الفانيذ أو السكر في فيه ، ولم يمضغه ، لكن يصلى والحلاوة تصل إلى جوفه - تفسد صلاته . وفرق المالكية بين عمد الأكل والشرب وسهوه : فإن أكل أو شرب المصلى عمدا بطلت صلاته اتفاقا ، وأما إن أكل أو شرب سهوا لم تبطل صلاته ، وانجبر بسجود السهو . وذهب الشافعية إلى بطلان الصلاة بالأكل ولو كان قليلا ، وإن كان مكرها عليه ؛ لشدة منافاته للصلاة مع ندرته ، واستثنوا من ذلك : الناسي أنه في الصلاة ، والجاهل بالتحريم لقرب عهده بالإسلام ، أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء فلا تبطل صلاته بالأكل إلا إذا كثر عرفا ، ولا تبطل ما لو جرى ريقه بباقي طعام بين أسنانه وعجز عن تمييزه ومجه كما في الصوم . وصرحوا : بأنه لو كان بفمه سكرة فذابت فبلع ذوبها عمدا ، مع علمه بالتحريم ، أو تقصيره في التعلم - فإن صلاته تبطل . كما صرحوا ببطلان الصلاة بالمضغ إن كثر ، وإن لم يصل إلى جوفه شئ . وفرق الحنابلة في ذلك بين صلاة الفرض والنفل : فصلاة الفرض تبطل بالأكل والشرب عمدا ، قل الأكل أو الشرب أو كثر ؛ لأنه ينافي الصلاة . وأما صلاة النفل فلا تبطل بالأكل والشرب إلا إذا كثر عرفا لقطع الموالاة بين الأركان . قال البهوتى : وهذا رواية ، وعنه أن النفل كالفرض ، قال في ( المبدع ) : وبه قال أكثرهم ؛ لأن ما أبطل الفرض أبطل النفل ، كسائر المبطلات . وكل ما سبق فيما إذا كان الأكل والشرب عمدا ، فإن كان سهوا أو جهلا فإنه لا يبطل الصلاة فرضا كانت أو نفلا إذا كان يسيرا ؛ لعموم قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » ولأن تركهما عماد الصوم ، وركنه الأصلي ، فإذا لم يؤثر في حالة السهو في الصيام فالصلاة أولى . قالوا : ولا بأس ببلع ما بقي في فيه من بقايا الطعام من غير مضغ ، أو بقي بين أسنانه من بقايا الطعام بلا مضغ مما يجرى به ريقه وهو اليسير ؛ لأن ذلك لا يسمى أكلا ، وأما ما لا يجرى به ريقه بل يجرى بنفسه - وهو ما له جرم - فإن الصلاة تبطل ببلعه لعدم مشقة الاحتراز . قال المجد : إذا اقتلع من بين أسنانه ما له جرم وابتلعه بطلت صلاته عندنا ، وصرحوا بأن بلع ما ذاب بفيه من سكّر ونحوه كالأكل . ينظر : حاشية ابن عابدين ( 1 / 418 ) ، حاشية الدسوقي ( 1 / 289 ) ، مواهب الجليل ( 2 / 36 ) ، الخرشى على خليل ( 1 / 330 ) ، نهاية المحتاج ( 2 / 52 ) ، مغنى المحتاج ( 1 / 200 ) ، شرح روض الطالب ( 1 / 185 ) كشاف القناع ( 1 / 398 ) . ( 2 ) يحرم على المحرم باتفاق العلماء وإجماع الأمة : الجماع ودواعيه الفعلية أو القولية وقضاء الشهوة بأي طريق . والجماع أشد المحظورات حظرا ؛ لأنه يؤدى إلى فساد النسك . والدليل على تحريم ذلك النص القرآني : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [ البقرة : 197 ] ، وفسر الرفث بأنه ما قيل عند النساء من ذكر الجماع وقول الفحش . وثبت ذلك عن ابن عباس ؛ فتكون الآية دليلا على تحريم الجماع على المحرم بطريق دلالة النص ، أي : من باب الأولى ؛ لأنه إذا حرم ما دون الجماع ، كان تحريمه معلوما بطريق الأولى . وفسر الرفث أيضا بذكر إتيان النساء ، من الرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم . ونقل ذلك عن ابن عمر وبعض التابعين ؛ فتدل الآية على حرمة الجماع لدخوله في عمومها . كما فسر بالجماع أيضا ، ونسب ذلك إلى جماعة من السلف منهم ابن عباس وابن عمر ؛ فتكون الآية نصا فيه . ينظر : تفسير ابن كثير ( 1 / 236 ، 237 ) .